محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
272
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
المحضة لا تدرك الكلّيات ، وكان آدم مخصوصا بالعقل والحسّ ؛ فانفصل عن الحيوانات التي دون نوعه بعقله ، وانفصل عن الروحانيات التي فوق نوعه بحسّه ، وصار وسطا بين النوعين ، وفضلا من العالمين ، ومجمعا للكونين ، حين صار حسّه على مزاج عقله ؛ فلم ينازعه في إدراك الكلّيات ، وصار عقله على مزاج حسّه ؛ فلم ينازعه في إدراك الجزئيات ، وصار الحال الذي في دماغه أو قلبه لوحا محفوظا ، تصعد إليه الإدراكات الجزئية ، فيحفظها ؛ وتنزل إليه الإدراكات العقلية ، فيحفظها ؛ وبذلك فضل النوعين ووصل إلى قاب قوسين . قوله - جلّ وعزّ - : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 ) النظم لمّا أبان اللّه - سبحانه وتعالى - فضل آدم - عليه السلام - واستحقاقه للطاعة بأمرين : أحدهما أنّه أخبرهم بأنّه جاعل في الأرض خليفة ، والخليفة من تكون طاعته طاعة اللّه ؛ فأمرهم بطاعته سجودا له استتماما لطاعتهم ، واستكمالا لسجودهم وعبادتهم ؛ والثاني أنّه أظهر لهم فضله بتعلّم الأسماء من الحقّ تعالى ، وتعليمها إيّاهم ؛ فصار بذلك معلّما لهم ؛ فأوجب طاعة المعلّم عليهم ؛ فقال : وَإِذْ قُلْنا أي واذكر يا محمّد ! لقومك حين قلنا للملائكة ، وتحقيقه واذكر لقومك قولنا ، وهو من خطاب الأكابر ، يقول الواحد منهم : فعلنا وقلنا ، لعلمه بأنّ الأتباع يفعلون كفعله ولا يخالفه أحد في ذلك ؛ ومعنى آخر أنّ الواحد قد يكون في معنى الكلّ ، والإمام في حكم الجماعة ، قال اللّه تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً فكذلك خاطبهم اللّه خطاب الأكابر . التفسير واللغة والسجود في اللغة : الخضوع والتذلل ، يقال : سجدت النخلة ، إذا مالت ؛ والسجود في